كتاب بن رستم

هذا كتاب هو أقدم وثيقة عن الأئمة الرستمين في الغرب العربي


ولاية يعقوب بن أفلح

 

ولما أجمع أهل المدينة على ولاية يعقوب بن أفلح و أرسلوا إليه وأدخلوه المدينة وعقدوا له الولاية أكسرت شوكة الإباضية ودخل عليه جماعة منهم, ورجعت إليه جماعة من لواتة وبقيت الحرب متماسكة بين يعقوب بن أفلح وابن أخيه أبي حاتم الأ أنها ضعفت وانكسرت نواكبها وجمهور الإباضية مع أبوا حاتم, إلى أن زحف وانودين بمن معه وزحف أبو حاتم ومن معه, فلما فعلا أمر يعقوب بن افلح بأبواب المدينة فغلقت إلا بابا واحدا وقف عليه يعقوب بجمهور الناس ويميل بالجملة من معه إذا قرب العساكر منه, فلم يزل الناس متواقفين إلى أن حضر صلاة الظهر, فأذن المؤذنون في مصافهم ذلك وصلى الناس صلاتهم و وانودين ومن معه قائمون ينظرون إلى الناس فيسقط في أيديهم وتحولت نياتهم على المحاربة وندموا على قدومهم, غير أن أبا حاتم ومن معه من العجم استداروا من جهة المشرق وحلوا مصاف رجاء أن يصيبوا غرة ففتح من كان بناحية الباب الشرقي الباب وخرجوا إليه حملة واحدة فولوا منهزمين بين أيديهم, فلما رأى وانودين ما رأى انصرف بعساكره وضعفت الحرب بعد ذلك, وتطامع الناس في العافية, وكان يعقوب بن أفلح بعيد الهمة نزيه النفس ما جس بيده دينارا ولا درهما, وكان إذا أتى وكيله بغلاته أمره أن يجعلها تحت بردعة له يجلس عليها وإذا أراد أخرج شيء منها دفعه بقضيب من يده, وكان إذا سافر ونزل بقوم لم يأكل لهم طعاما, وكانت له بقرات يأمر بحلبها بين يديه في إناء جديد فإذا امتلأ  شربه أجمع ثم يقوم عليه ثلاثا لا يأكل طعاما ولا يشرب شرابا, ولا يخرج لبراز, وكان وضوءه طاهر (كذا) في الموضع الذي يكون فيه, شهد منه ذلك جماعة ممن صحب واستفاض ذلك عنه حتى صار كالعيان, وكانت له أخلاق في لباسه وركوبه, يخرج عن طبع البشر, حجرة سراوليه في جنبه, وركوبه فرسه من بين يديه, وكان له فرس أشقر لم يكن بالمغرب مثله قبله ولا بعده, به يضرب المثل إلى اليوم, فلما طالت الحرب بينه وبين ابن أخيه ورقت, وتطامع الناس العافية, نزل أبو يعقوب المزاني بجميع مزاته حول البلد وكان رأس القوم وملكهم, فمشت إليه القبائل وقالوا لو جعلت الهدنة بين هذين الفرقين إلى مدة معلومة يأمر الناس إليها فقد قطعت السبل وفرغ من أيدي الناس الحرث والنسل, فسعى في ذلك واجتهد حتى اشتهى الفريقان, فقالوا ليعقوب قدم من يعقد لك الهدنة فقدم عبد الله اللمطي صاحب المسئلة في أعلى النكار,  (كذا) وقدم أبو حاتم منكود وابن أبي عياض اللواتيين, وبرز الناس من كلا الفريقين وسلموا الأمر لمتولي عقد الهدنة,  فعقدوا أن يرفعوا أيدي أبى حاتم ويد يعقوب عن النظر أربعة أشهر, ويمشي الناس إلى الناس ويدخل بعضهم على بعض وتأمين الساحات, فتم العقد على ذلك وتطامع الناس العافية ووجدوا حلوتها, وكان أبو حاتم إذا لقي أحد من وجوه أهل تاهرت وشبابهم استماله, فان كان على القرب استمال به إلى نفسه, وان كان على البعد زوده وأعطاه, فمالت قلوب الناس إليه, ومن يشب في سفك الدماء واكل الأموال فانه بقي متصلا بيعقوب. وأبو يعقوب المزاتي دائما في إصلاح ما رأى فبينما الناس ذات يوم في عيد من أعيادهم, إذ أقبل رجلان من أخريات(كذا) على المدينة, ولم يكن في البلد إذ ذاك أوسع منهما جاها ولا أكثر عشيرة ولا أسمع قلبا, يقال لأحدهما أحمد والآخر محمد يعرفان بابن دبوس, وبين أيديهما قفولهم ويقولون من أراد العافية فليصد إلى الكنيسة, وكانت دار هاذين الرجلين تعرف بالكنيسة, فبادر الناس ولم يختلف عنهما أحد خلا يعقوب وشيعته وبعض مشايخ ممن يشب في عداوة أبي حاتم منهم شيخ يعرف بابن مسعود وهو شيخ البلد ومقدمه, فلما رأى ابن مسعود اجتماع الناس وأطباقهم على هذين الرجلين صعد لهما وقال لهما ويحكما, إلى أن قال: فلما دخل الليل ركب محمد وأحمد فرسيهما وعلم بذلك من علم من الناس فتبعوهما وخرجا قاصدين نحو أبي حاتم واتصل الخبر بيعقوب وشيعته فركبوا خيولهم وخرجوا نحو زواغة فبينما أبو حاتم في منزله فقالوا قم فاركب الساعة فخرج معهما وليس معه أحد من عشيرته ولا من رجاله فلم يصبح إلا على باب المدينة وبادر إليه الناس أجمع..   

(0) تعليقات

<<الصفحة الرئيسبة