قال: ولما دخل أبو حاتم مدينة تاهرت جمع مشايخ البلد اباضيتها وغير اباضيتها فاستشارهم فيمن يوليه قضاء المسلمين فقالوا له أن أباك لما دخل كدخولك ولى محمد بن عبد الله بن أبي الشيخ وهو القاضي الذي قدمنا ذكره قبل هذا، ولمحمد ولد يسمى عبد الله وما هو دون أبيه في الورع والعلم وأنت عالم بورعه ودينه كما نحن عالمون به فقال أشرتم وأحسنتم، وولاه القضاء ثم قال من ترون أن نولي بيت المال فقالوا عبد الرحمان بن صواب ألنفوسي، فقال أصبتم وأحسنتم فقال من ترون أنوليه الشرطة فقال قوم من زكار وقد قتل ابنه بين يديك وله نصيحة، وقال قوم إبراهيم بن مسكين فإن له صلاته في الحق، فولاهما جميعا وكان البلد قد فسدت أهلها في تلك الحروب، واتخذوا المسكر أسواقا، والغلمان أخذانا، فلما ولي هذان الرجلان الشرطة قطعا ذلك في أسرع من طرفة العين، وحملا على الناس بالضرب والسجن والقيد، وكسرت الخوابي بكل دار عظم قدرها أو صغر، وشردت الغلمان وأخدانهم إلى رؤوس الجبال وبطون الأودية، وحمل الناس على الواضحة وأخاف النطف وأمن البرى، وشردت السراق وقطاع الطريق، وأمنت السبل ومشى الناس بعضهم إلى بعض، ولم ينتقموا على أبي حاتم شيئا ثم نقموا بعد ذلك شيئا أخذه ناسا بالتهمة وضرب السوط على الظنة إلا أن البلد وقضاته وأصحاب بيت أمواله وأصحاب شرطته ومن بالبلد من فقهاء الإباضية وغيرهم لم يطالب بعضهم ولا سعى بعضهم ببعض، وكانت مساجدهم عامرة وجامعهم يجتمعون فيه وخطيبهم لا ينكرون عليه شيئا إلا أن الفقهاء تناجت المسائل فيما بينهم وتناظرت واشتهت كل فرقة أن تعلم ما خلفتها فيه عاقبتها (كذا) ومن أتى إلى حلق الإباضية من غيرهم قربوه وناظروه ألطف مناظرة وكذلك من أتى من الإباضية إلى حلق غيرهم كان سبيله كذلك، قال لي يوما، ونحن في أعلى المسجد بالرهادنة، رجل من وجوه الإباضية من هوارة يسمى سليمان ويكنى بأبي الربيع ، من أين زعمت وزعم أصحابك وغيرهم من الحجازيين والعراق أن الرجل إذا زوج ابنته البكر وهي صغيرة وأدركت أن لا خيار لها في نفسها وانتم تقلون أن الرجل إذا زوج أمته وعتقت أن لها الخيار ولا فرق بين الآمة وبين الصغيرة لأن الآمة لم يكن لها حكم في نفسها وإنما كان الحكم لسيدها فلما عتقت وصار الحكم إليها جعلتم لها الخيار والصغيرة لم يكن لها حكم في نفسها وأن الحكم لأبيها فلما أدركت صار الأمر إليها فلم منعتموها ما أجزتم للأمة والمعنى واحد؟ فحكيت ما ذكر لي لغير واحد منهم وما اعتللت به عليه فاعتلوا بعلله وغير علله وزادوا ونقصوا، وقد جمعت ما دار من جميع ذلك بيني وبينهم مما اعتلوا به ومما يدخل لهم، أو ما ذكروه، فقلت له ولغيره ممن كلمني، إنا إنما أجزنا نكاح الصغار لأن النبيrتزوج عائشة بنت أبي بكر سبع وبنى بها وهي بنت تسع فقال لي دعني من هذا فاني لا أجامعك عليها، ولكن كلّمني من القرءان أو من باب النظر، مع أني لو بينت لك الخبر ما كان فيه حجة، لأنك تعلم أن الله أحل لرسوله من النساء ومن عددهن أكثر مما أحل لأمته، و أحل له الموهبة وغير ذلك، فان كان عندك حجة غير هذه فاذكرها وإلا فلا تقم لك حجة؟ قلت له فان أو جدتك صحة عقدها من القرءان أترجع؟ فقال لي من القرءان فقلت نعم فكرر علي ثلاثا وفي كل ذلك أقول نعم، فقال فاذكر لي فقلت له قال الله تبارك وتعالى: واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إلى واللائي لم يحضن.. فقال لي عجبا منك، أنا أسألك عن عقد النكاح وفسخه وأنت تخبرني عن عدد المويسات وعدة اللائي لم يحضن؟ فقلت هيهات أبا الربيع غاب عنك المراد، قال وما غاب عني من ذلك؟ فقلت أخبرني عن هذه العدد الموصفات من طلاق وقعن أم من غيره؟ قال من طلاق، قلت فهل يقع طلاق من غير أن يكون عقد نكاح؟ قال لا، قلت في المويسات فمنهن اللائي قد بلغن من السنين مالا يحيض مثلهن؟ قال نعم، قلت واللائي لم يحضن من الصغر قال نعم قلت فاوجب الله عليهن عددا قال نعم، قلت أمن طلاق أم من غير طلاق؟ قال من طلاق، قلت فيكون طلاق من غير عقد نكاح؟ فسكت ولم يرد جوابا، فأعلمت غيره بما دار بيني وبينه فقال لي مضى في المطالبة لك، فقلت فاذكر لي ما مضى فيه؟ قال قول الله«واللائي لم يحضن» المراد التي لم يخلق فيهن الحيض وهن الكبائر لا الصغار، قلت هذا غلط في اللغة يلزمك فيها من الشناعة أكثر مما لزم صاحبك، قال وكيف ذلك قلت «لم» لا توضع للمستقبل ولو أراد ما قلت لكان موضع «لم»،«لا»فيقال لا تحيض فلانة إذا نفوا عنها المحيض أي ليست ممن تحيض، وإذا قيل لم تحض فلانة معناه أنها لم تحض بعد وأنها ستحيض في المستقبل، وربما حرف خطباءهم اللفظ عن موضعه ليقيموا الأمر الذي يريدونه، حضرت لهم خطباء كثيرة أولهم ابن أبي دريس، والثاني أحمد التيه والثالث أبو العباس بن فتحون، والرابع عثمان بن الصفار، والخامس أحمد بن منصور، فسمعت أحمد التيه يقرأ بعد فراغ إلى أن بلغ«تنزيلا ممن خلق الأرض والسماوات العلى الرحمن على العرش استوي» فحرف المعنى عن موضعه أراد أن يقيم أصله وجعله بابا من الحلول على العرش، وكل من رأيت من خطبائهم على منابرهم فليس يستمعون إلا خطب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، خلا خطبة التحكيم فإنهم كانوا إذا فرغوا من الخطبة الأولى قاموا إلى الثانية وحكّموا، وسوف أذكر خطبة التحكيم فيما يلي هذا الكلام، فلم يزالوا كذلك إلى أن ولي الخطابة رجل منهم يقال له أحمد بن منصور، وسمعته يخطب بهذه الخطبة ثم يخطب بعدها بخطبة التحكيم، فلقيته وعانيته، وقلت له أن خطبتك التي سمعت منك اليوم ليست من خطب أسلافك، فقال لي حملني عليها عثمان بن أحمد بن يحياج، وكان مقدما عندهم ولا يكادون يخالفونه فيما استحسن لهم، فخطبت بها لأنه استحسنها لي. والخطبة هي هذه«الحمد الله الذي ابتدأ الخلق بنعمائه، وتغمدهم جميعا بحسن آلائه، فوفق كل امرئ منهم في صبائه، على طلب ما يحتاج إليه من غذائه، وسخر له من يكلوه إلى وقت استغنائه ثم احتج على من بلغ منهم بالآيات وحذر إليهم بإنبائه واعذر إليهم بإبلائه،(كذا) الذي لم يزل بصفاته وأسمائه، لا يشتمل عليه زمان، ولا يحيط به مكان، خلق الأماكن والأزمان ثم استوى إلى السماء وهي دخان، فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أوكرها قالتا أتينا طائعين فقدرها أحسن تقدير، واخترعها من غير نظير، لم يرفعها بأعمدة تدرك بالمعاينة، ولم يستعن عليها بأحد استكبارا عن الشركة والمعاونة وزينها للناظرين، وجعل فيها رجوما للشياطين فتبارك الله أحسن الخالقين، تعالى أن تطلق في وصفه أراء المتكفلين أو أن تحكم في دينه أهواء المتقلدين، بل جعل القرءان إماما للمتقين وهدى للمؤمنين، وملجأ للمتنازعين، وحكما بين المتخالفين ودعا أولياءه المؤمنين إلى إتباع تنزيله، وأمرهم عند التنازع في تأويله بالرجوع إلى قول رسوله r ، بذلك نطق حكم كتابه إذ قال جل ثناؤه« يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم، إلى قوله وأحسن تأويلا» وتعهد نبيهr عند رجوع الأمة في تأويل ما أشكل عليها إليه بأن بين لهم معنى ما أنزل عليه فقال« ما أنزلنا عليك الكتاب إلا لتبين لهم الذي اختلفوا فيه» ولم يكل لهم تعالى إلى القول في دينه بآرائهم، ولا أذن لهم في مسامحة أهوائهم فتكون الأحكام مبتدعة، والآراء مخترعة، والأهواء متبعة بل أحصاها كل شيء عددا وضرب لكل شيء أمرا، ليهلك من هلك عن بينة، ويحي من حيي عن بينة، احمده حمدا يبلغ رضاه ويحسن الاه واستعينه على ما استحفظنا من ودائعه وحفظنا ما استودعنا من شرائعه وأومن به إيمان من أخلص له عبادته واستشعر طاعته، واتوكل عليه توكل من إنقطع إليه ثقة به ورغبة فيما لديه واشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة معترف له بالربوبية والتوحيد مقرا له بالعظمة والتمجيد خائفا من انجاز ما قدم اليه من الوعيد واشهد أن محمدا عبده ورسوله اصطفاه لنفسه وليا وارتضاه لخلقه نبيا فاوجده على حفظ ما ضمنه قويا وباداء ما ستودعه مليا وبالدعاء إلى ريه حفيا ومتوفقا عن ورود المشكلات ومشمرا عند انجلاء الشبهات لا يرعوى لمن عذله ولا يلوى على من خذله ولا يطيع غير من أرسله يصدع بالأمرويطفي نار الكفر ولا تأخذه في الله لومة لائم. ولم ينحرف عنه لرغم راغم أرسله على حين فترة من الرسل ودرس من السبل وتضامن من أهل الملل، والناس فريقان عالم متكبر وجاهل مستظهر فالعالم الذي سبق له الخذلان ينزعه الشيطان ويجمح به الطغيان فيستنكف عن الدخول في دين الإيمان، والجاهل مستنكع في غيه متحير في أمره منتظر ما يكون من غيره فلم يزالا يعكفان على الأزلام ويعتصمان بالأصنام والرسول عليه السلام برعا رعى السوام ويدعوهم إلى دار السلام فلم يزل r يعظهم بالأيات ويقرعهم بالمعجزات حتى استقام من أراد الله توفيقه من سائر أهل الديانات فبلّغ المحكمات وأوضح المشكلات وزجر عن القول في الدين بالشهوات، فختم الله به النبيين وأكمل به الدين واوجب به الحجة على العالمين صلى الله عليه وعلى آله الطيبين وإخوانه من المرسلين واوليائه من المؤمنين».ثم جلس ثم قام وقال « الحمد لله نستعينه ونستغفر ونؤمن به ونستهديه ونستنصره ونبرا من الحول والقوة إليه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهد الله فهو المهتدي ومن يضلل فلا هاي له ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمد عبده ورسوله أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون. الله ربنا ومحمد نبينا والإسلام ديننا والكعبة قبلتنا والقرءان إمامنا، رضيا بحلاله حلالا وبحرامه حراما لا نبتغي عنه بدلا ولا عنه حولا ولا نشتري به ثمنا لا حكم إلا لله اتباعا لكلام الله وسنة نيبه عليه السلام وخلافا لأهل البدع، لا حكم إلا لله خلعا ونبذا وفراقا لجميع أعداء الله، لا حكم إلا لله ولو كره الجبارون الحاكمون بغير ما أنزل اله وأشهد أن من لم يحكم بما أنزل الله فاولائك هم الكافرون والظالمون الفاسقون، اللهم صلى على محمد وعلى آل محمد وارحم محمدا وآل محمدا وبارك على محمد وآل محمد كما صليت وباركت ورحمت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، اللهم صل على العصبتين المباركتين من المهاجرين والأنصار والتابعين لهم باحسان، اللهم وأرحم الشراة في سبيلك أهل الفضل في الإسلام اللهم وصل على الخلفتين المباركين بعد نبيك محمد أبي بكر وعمر إمامي الهدى بما عملا به من كتابك وما أثراه من سنة نبيك اللهم وأصلح الأمير يوسف بن محمد. أصلحه وأصلح على يديه ووفقه للخير...وأعنه عليه وأفتح له من عندك أعوانا وأنصارا على طاعتك اللهم أعزز به الإسلام وأهله وأذلل به الكفر وأهله، وأنصره نصرا عزيزا، وافتح له فتحا يسيرا وهب له من عندك سلطانا نصيرا، كفى بك وليا وكفى بك نصيرا، اللهم إغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمانولا تجعل في قلوبنا غلا للين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم. ثم قرأ« قل هو الله أحد» ثم نزل.... »

